أحمد بن علي القلقشندي
291
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فابتثثته بثّي كله ، وبرئت إليه منه ، ورفقت به . فلما سمعها ووعاها ، وسرت في مفاصله حميّاها ، قال : « حلَّت معلوّطه ( 1 ) ، وولَّت مخروّطه » ( 2 ) ، وأنشأ يقول : إحدى لياليك فهيسي هيسي ( 3 ) لا تنعمي اللَّيلة بالتّعريس نعم يا أبا عبيدة أكلّ هذا في نفس القوم ، ويحسّون به ، ويضطبعون ( 4 ) عليه ؟ قال أبو عبيدة : فقلت لا جواب لك عندي إنما أنا قاض حقّ الدّين ، وراتق فتق المسلمين ، وسادّ ثلمة الأمّة . يعلم اللَّه ذلك من جلَّجلان قلبي ، وقرارة نفسي . فقال عليّ رضي اللَّه عنه : واللَّه ما كان قعودي في كنّ هذا البيت قصدا للخلاف ، ولا إنكارا للمعروف ، ولا زراية على مسلم ؛ بل لما قد وقذني ( 5 ) به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من فراقه ، وأودعني من الحزن لفقده . وذلك أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد عليّ حزنا ، وذكَّرني شجنا . وإن الشوق إلى اللَّحاق به كاف عن الطمع في غيره . وقد عكفت على عهد اللَّه أنظر فيه ، وأجمع ما تفرّق ، رجاء ثواب معدّ لمن أخلص للَّه عمله ، وسلَّم لعلمه ومشيئته ، وأمره ونهيه . على أني ما علمت أن التظاهر عليّ واقع ، ولا عن الحق الذي سبق إليّ دافع ؛ وإذ قد أفعم الوادي بي ، وحشد النادي من أجلي ، فلا مرحبا بما أساء أحدا من المسلمين وسرّني . وفي النفس كلام لولا سابق عقد ، وسالف
--> ( 1 ) الإعلوّاط هو ركوب الرأس والتقحّم على الأمور بغير رويّة . واعلوّط بعيره اعلوّاطا إذا تعلَّق بعنقه وعلاه . ( اللسان 7 / 355 ) . ( 2 ) الاخروّاط في السير : المضاء والسرعة . والمخروّطة من النوق : السريعة . ( اللسان 7 / 286 ) . ( 3 ) هاس من الشيء هيسا : أخذ منه بكثرة . ( اللسان 6 / 252 ) . ( 4 ) اضطبع الشيء أدخله تحت ضبعيه أي أبطيه ( اللسان 8 / 216 ) . ( 5 ) وقذه وقذا أي ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت . وكان وقيذ الجوانح أي محزون القلب . ( اللسان 3 / 519 ) .